
تُعدّ هذه القصة الواقعية للطبيبة السعودية نموذجاً نادراً وعميقاً لـ البرّ المطلق، حيث يتجاوز الحب الفطري حدود المعرفة والإدراك. إنها حكاية شاب يُدعى محمد، في الثلاثينيات من عمره، يجسد أعلى درجات التضحية والوفاء تجاه أم فاقدة للعقل والإدراك، ويُحوّل الرعاية الشاقة إلى عبادة تُرضي الخالق، متجاوزاً بذلك كل الصعاب الجسدية والنفسية.
الفصل الأول: مشهد الحنان العاصف في العيادة
تبدأ القصة بمشهد صادم وغريب داخل عيادة الطبيبة. يدخل محمد وهو يحتضن أمه، ليس حناناً فحسب، بل تحصيناً لها من محاولة الهرب. المشهد مليء بالتفاصيل المؤلمة التي تقابلها استجابة غير متوقعة من الابن:
- الأم تحاول الهرب وترمي خمارها: فيعدله محمد بهدوء.
- الأم تعض يده وتخدشها وتبصق في وجهه: وهو يتبسم في كل مرة.
هذا التناقض الصارخ بين قسوة تصرفات الأم ونبل رد فعل الابن يضع الطبيبة والسامع في حالة من الدهشة والفضول لمعرفة حقيقة هذا الرجل. وعندما دخلت الأم إلى العيادة، بدأت تضحك ضحكاً جنونياً وتدور حول طاولة الطبيبة، مؤكدة أنها فاقدة لعقلها وإدراكها.
الفصل الثاني: تاريخ مؤلم وعبء الأبوة والأمومة
عندما سألت الطبيبة عن حال الأم، جاء جواب محمد ليحمل خلفه تاريخاً معقداً من المأساة والإيثار. كشف محمد أن أمه “ولدت بلا عقل”، وأن زواجها المتعدد كان محاولة لإنجاب طفل يُصلح من حالها، لكنه لم ينجب سوى ولد واحد وهو محمد نفسه، الذي ولد من زواج لم يدم سوى عام واحد.
العبارة الأكثر إيلاماً كانت: “منذ أن كنت في 10 وأنا الذي أخدمها”. تحول محمد منذ طفولته المبكرة من ابن يُخدم إلى خادم لوالدته. لم يقتصر دوره على الرعاية فحسب، بل امتد ليصبح هو الطاهي والممرض والحارس: “أطبخ لها… إذا أردت أن أنام أربط قدمي في قدمها، أخشى أن تهرب ولا أجدها”. هذه التفاصيل الصغيرة تكشف عن حجم العبء والتضحية التي يتحملها يومياً، حيث أصبح نومه مشروطاً بالخوف من فقدانها.
الفصل الثالث: برّ يتجاوز الإدراك والمعرفة
السبب المعلن لزيارة العيادة كان صحياً بحتاً: “بها السكر والضغط”. محمد، رغم كل ما يعانيه من أمه، يحرص على صحتها الجسدية كأي ابن بار بأمه الطبيعية.
في مشهد مؤثر، تظهر الأم وهي تضحك وتطلب “بطاطس”، فيعطيها محمد. وعندما “تبصق في وجهه فيضحك ويمسح بصقته”. وهنا يوجه الطبيبة إليه السؤال الأهم الذي يحدد علاقة هذا الابن بأمه: “هذه أمك لا تعرفك؟”
رد محمد كان أعمق من مجرد إجابة: “لا والله ما تعرف أني ابنها… لكن الذي خلقني يعرف إنها أمي”. هذه الجملة هي جوهر القصة كلها؛ فمحمد لم يكن يقدم الرعاية لأم تُبادله الحب أو تُكافئه بالمعرفة أو الاعتراف. لقد كان برّه مجرداً من أي مكافأة دنيوية، ونابعاً من إيمانه بأن البرّ هو تكليف إلهي لا يسقط بزوال العقل أو الإدراك. إنه وفاء لله في حق الأم، وليس وفاء لشخصها المريض.
الفصل الرابع: وعد مكة والوفاء بالتكليف
تستمر الأم في حالتها، تناديه بـ “بني” وتتهمه: “أنت كذاب ليه ما توديني مكة؟”. محمد يجيبها بهدوء الأنبياء: “الخميس يا أمي، أما قلت أني سأذهب بك الخميس؟”.
دهشة الطبيبة بلغت ذروتها حين سألت: “أتذهب بها وقد زال التكليف عنها؟”. هذا السؤال يشير إلى أن التكاليف الشرعية (كالصلاة والصيام والحج) تسقط عن المريض الذي زال عقله. ولكن بالنسبة لمحمد، فإن الأمر مختلف. الذهاب إلى مكة بالنسبة له ليس واجباً على أمه، بل هو واجب عليه هو تجاه أمه. إنه يرى في ذلك وسيلة لـ “البرّ” وتعويضها عن كل ما فاتها، وتقديم أفضل ما يمكن أن يقدمه ابن لأمه، حتى لو لم تستوعب هي العطية.








