
بدأت قصتي مع زوجي، الذي لم يكن يملك من حطام الدنيا الكثير، على أساس من الحب الرصين والتضحية المتبادلة. تركت مقاعد الجامعة وعمري ثمانية عشر عامًا لأشارك هذا الرجل البسيط في بناء حياته، حياة كان أساسها الكد الحلال والرضا بالقليل. كان زوجي، الأخ الوحيد لخمس بنات، يحمل على عاتقه مسؤولية تجهيزهن للزواج، ورغم بساطة حالنا، لم يغب عن ناظري طوال السنوات الأولى سوى إصراره على الادخار، وكنت أشد أزره، قانعة بالعيش معه في غرفة صغيرة بشقة أهله، لأن عيني كانت ترى رجلاً نبيلاً وليس مجرد وضع مادي.
سنوات التضحية والادخار
مرت أربع سنوات عجاف، كان الهم الأكبر فيها هو إتمام فرحة أخواته. تأجلت أمنيتي الكبرى، وهي الأمومة، ليس رفضًا من زوجي، بل لكيلا أزيد من حمله أو أشعره بالضغط. كلماته كانت تريح قلبي دائمًا: “لا زلت لم أشبع من الاستمتاع بكِ وبقلبك الحنون يا طفلتي الجميلة”، كانت كافية لأبتسم وأُرجئ لهفة أمومتي. لم يكن يخفى على أحد مقدار تضحيتي؛ حتى في ليلة زفاف الأخت الثانية، رفضت أن أحمله عبء فستان جديد، لأسمع كلمات حماتي التي أدعو لها بالخير: “سيعوضك الله يا بنتي بكل الرضا”. لكن الله شاء أن يُفاجئني زوجي بـ “الزي الجديد” الذي اختاره وادخر ثمنه سرًا، لتكون الفرحة مضاعفة.
كانت هذه هي حياتنا، مزيج من الادخار، التضحية، وكلمات الحنان التي تنسينا مرارة الانتظار.
المحنة التي أزهرت مشروعًا
وبينما كنا نجهز للأخت الثالثة، جاءت الصدمة. عاد زوجي بوجهٍ يكسوه الحزن لم نعهده: “تخلى رئيس العمل عن نصف العمال اليوم… وكنت من ضمن من رحلوا”.
ساد الصمت، وبدت مسؤولية تجهيز الأخت الثالثة عبئًا ثقيلاً لا يُحتمل. لكنني، وكما تعلمت من الحياة ودفء عائلتي الجديدة، آمنت بكلماتي التي قلتها له في هدوء: “الله الرازق يا زوجي الغالي، من كان يرزقنا في أيامنا الماضية سيرزقنا في أيامنا الآتية”.
هنا، تحوّل الصمود إلى عمل. سنوات وقوفي بجوار حماتي في المطبخ لم تذهب هباءً. اقترحت فكرة “المشروع البسيط” لطهي المأكولات. كانت حماتي نعم المعين، وانضمت أخوات زوجي المتزوجات لمساعدتنا. لم تمضِ شهور طويلة حتى تمكنت من إمساك مبلغ مالي لم يكن بالقليل، وكان أول هم لي هو أن أعطيه لزوجي لاستكمال تجهيز أخته.
يومها، شعرت أن جهدي لم يذهب سُدى. تقبيله لجبيني وكلماته: “منذ عرفتك وأنا أعرفك بنت أصل، أدامك الله لي”، كانت تُساوي كنوز الدنيا. تزوجت الأخت الثالثة، وعادت الحياة تبتسم لنا مجددًا، بفضل الرزق الذي جاء من بين يدي.
بداية الحصاد وبشرى الانتظار
ظل مشروعنا ينمو ويزدهر. استطعنا من خلاله مساعدة زوجي في سداده لبعض الديون البسيطة التي تراكمت عليه قبل فقدان عمله، حتى أنه استطاع بعد أشهر أن يفتح محلًا صغيرًا لبيع الأدوات الكهربائية، مستغلًا خبرته السابقة. لم يعد الرزق “بسيطًا” كما كان، بل أصبح “كافيًا” و”مباركًا”.
مرت السنة الخامسة، ثم السادسة. شعرت أن الوقت قد حان لأفصح عن أمنيتي التي كتمتها لسنوات. لم أعد أخاف أن أزيد عليه ضغطًا؛ لقد تغيرت أحوالنا.
في يوم، جمعتنا غرفة الطعام، كانت أمه وأختيه غير المتزوجتين، وزوجي. كانت أجواء من السكينة تغمر المكان. قلت بهدوء، بعد أن نظرت إلى زوجي:
- يا زوجي، هل تذكر عندما كنا ندخر لتجهيز الأخوات؟ والآن، الحمد لله، أصبح لدينا ما يكفي. أريد أن أستشيرك في أمر… “لقد مرّت سنوات، وأخشى أن يكون هناك مانع”. لأول مرة، رأيت زوجي يتردد، ينظر إلى الأرض ثم يرفع رأسه إليّ بعينين لامعتين بدموع محبوسة. قال:
- يا ريهام… يا من ضحيتِ بأغلى ما لديكِ لأجلي ولأجل أخواتي، والله إني خجلٌ منكِ. كنت أدخر كل قرش، لا لزواج أخواتي فقط، بل لأجلكِ أنتِ. كنت أريد أن يكون لدينا شقة خاصة بنا، أليق بقلبكِ، قبل أن نُفكر في طفل. كنت أريد أن أرفع عنكِ مسؤولية العيش بغرفة واحدة، فهل بعد كل هذا أمنع عنكِ نعمة الأمومة؟
لم أتمالك نفسي، وشاركت دموع الفرح عيني زوجي. بعدها بأيام، ذهبنا إلى الطبيب. كانت المفاجأة التي لم يتوقعها أحد. لم يكن هناك أي مانع، لا مني ولا منه. كان الأمر كله “وقتًا” و**”إرادة إلهية”**.
العوض الذي ملأ الكون
بعد الفحص والاطمئنان، لم تمر أشهر طويلة حتى شعرت بتلك الأعراض التي طالما حلمت بها. زاد وزني مجددًا، لكن هذه المرة، لم تكن أخت زوجي هي من سألت، بل زوجي نفسه الذي نظر إليّ بنظرة ملؤها الشغف والفرح:
- يا ريهام، هل أنتِ تعدين الكثير من الحلوى مجددًا؟ أم أنَّ طفلتي الجميلة تحملُ طفلاً في أحشائها؟ ضحكنا معًا، ضحكة صافية بعد سنين من الانتظار. كانت تلك اللحظة هي أجمل عوض من الله.
تمت فرحة الأخت الرابعة بفضل سعة الرزق التي فتحها الله علينا، وبدأنا نجهز لـ “بيتنا الجديد”، شقتنا الخاصة التي كان زوجي يحلم بها. وفي العام السابع لزواجنا، كنت أحتفل بحدثين عظيمين: الانتقال إلى بيتنا الجديد، وولادة طفلنا الأول، الذي أسميناه “يوسف”.
كانت الأمومة هي العوض الذي انتظرتُه بصبر وصدق، وكانت الشراكة مع زوجي هي الدليل على أن الحب الحقيقي لا يقاس بالمال، بل بالقدرة على الصمود معًا، والتضحية معًا، والإيمان بأن الرزاق هو الله، وأن بعد كل عسرٍ يسرًا عظيمًا.
وظلت حماتي، بعد كل ما مررنا به، تدعو لي في صلاتها: “جزاك الله خيرًا يا ابنتي، وكتب لكِ الخير والبركة في يوسف وفي كل ما رزقكِ به”. عرفت حينها أن سنوات التضحية لم تمنحني طفلاً ومنزلاً فحسب، بل منحتني عائلة حقيقية تستحق كل هذا الصبر الجميل.








