المعجزة تحت الركام: قصة أكثم سليمان والـ 82 ساعة التي هزت وجدان مصر في زلزال 1992

زلزال الثاني عشر من أكتوبر عام 1992، لم يكن مجرد هزة أرضية عابرة في تاريخ مصر، بل كان كارثة إنسانية حفرت عميقاً في ذاكرة الأمة. ومع الدمار والألم الذي خلفته الكارثة، بزغت قصص صمود خارقة تحولت إلى أيقونات للأمل، ولعل أبرزها قصة الشاب أكثم سليمان، الذي لُقّب بـ “معجزة زلزال 92″، بعد أن قضى 82 ساعة (ما يزيد عن ثلاثة أيام ونصف) تحت أنقاض منزله المنهار في مشهد بطولي يمزج بين التراجيديا وقوة الغريزة البشرية في البقاء.
لحظة الانهيار: مائدة غداء تحولت إلى قبر
في تمام الساعة الثالثة وعشر دقائق عصرًا تقريباً من يوم الاثنين الأسود، كان أكثم يجلس في منزله مع أمه وزوجته الإيطالية وابنته الصغيرة سميرة، يستعدون لتناول وجبة الغداء. كانت أجواء الود والسكينة تسيطر على المكان، قبل أن تطلب ابنته الصغيرة زجاجة “بيبسي” ليذهب لإحضارها. وفي تلك اللحظة بالذات، بدأ كل شيء يهتز.
تذكر أكثم لاحقاً أنهم حاولوا الاحتماء أسفل مائدة الطعام، ولكن في غضون ثوانٍ قليلة، تحول المنزل إلى كومة من الركام والتراب. وجد أكثم نفسه محصوراً في فراغ ضيق، محاطاً بالظلام الدامس والتراب الخانق، ومحاطاً بأصوات الصراخ والأنين التي سرعان ما بدأت تخفت وتتلاشى. لقد كانوا تحت أنقاض “عمارة الموت” التي تصدرت صور انهيارها صحف العالم.
صراع الأيام الأربعة: الموت يزور العائلة فرداً فرداً
تحت الركام، بدأ أكثم صراعه مع الظلام والجوع والعطش. في البداية، كان يحاول جاهداً تشجيع أفراد عائلته على الصمود والتماسك، مؤكداً لهم أن النجاة قادمة وأن فرق الإنقاذ في طريقها إليهم. لكن الساعات كانت تمر ثقيلة كأنها دهور.
وبمرور الوقت القاتل، ومع تناقص الأكسجين وتصاعد رائحة التراب، بدأ الأمل يتبدد والأصوات تتردد بصعوبة. كان المشهد الأكثر قسوة هو مراقبته لموت أحبائه فرداً فرداً أمام عينيه العاجزتين. فقدت والدته الوعي أولاً وأسلمت روحها، ثم لحقت بها ابنته الصغيرة سميرة، التي لم تتوقف عن طلب كوب “البيبسي” الأخير، وبعدها فارقته زوجته.
في تلك اللحظات المظلمة، عاش أكثم أسوأ أنواع العجز: أن يرى أحباءه يموتون من حوله جوعاً وعطشاً ورهبة، ولا يستطيع أن يقدم لهم سوى كلمات التشجيع التي لم تعد تجدي.
الحيلة الغريبة.. سر معجزة البقاء
بعد أن فقد أكثم عائلته بالكامل تحت الأنقاض، واجه تحدي البقاء وحيداً. كان العطش هو العدو الأكبر الذي يهدد بإنهاء حياته بشكل مؤكد وسريع. في ظل غياب أي مصدر للماء، كان يجب على أكثم أن يتخذ قراراً صعباً وبغيضاً لإنقاذ حياته من الجفاف القاتل.
لم يكن أكثم سليمان ليصمد كل هذه الساعات لولا تضحيته الأليمة، حيث قام بتمزيق قطعة من ملابسه، وكان يتبول عليها ومن ثم يعيد شرب البول.
هذه الحيلة البائسة والغريزية، التي يلتجئ إليها البشر في حالات الجفاف الشديد واليأس، كانت هي الفارق بين الموت والحياة. روى أكثم لاحقاً أن عائلته رفضت القيام بذلك، لكنه أدرك أن الحفاظ على رطوبة الجسم، حتى بهذه الطريقة المزرية، هو السبيل الوحيد لإطالة أمد بقائه حتى تصل فرق الإنقاذ.
82 ساعة وانتصار الإرادة
في اليوم الرابع، وبعد 82 ساعة من المحنة، كان رجال الإنقاذ قد أوشكوا على فقدان الأمل في العثور على أي ناجين في تلك المنطقة. ولكن فجأة، سمعوا حركة بسيطة وصوتاً ضعيفاً تحت الركام. بدأ الحفر بحذر بالغ، ليُفاجأ الجميع بظهور شاب ضعيف ومرهق، لكنه حي.
خروج أكثم سليمان كان بمثابة معجزة حقيقية أعادت الأمل لجميع المصريين في خضم حالة الحزن والإحباط التي عمت البلاد. ورغم أنه خرج مصاباً ببعض الكسور وإصابات داخلية، إلا أن إرادته للبقاء، مدعومة بحيلته القاسية، سمحت له بالصمود. استُقبل أكثم بالزغاريد في المستشفى، حيث تحول من ضحية إلى بطل قومي، أيقونة للصمود في وجه الكارثة.
ما بعد الزلزال: البحث عن الخصوصية والتعافي
قصة أكثم سليمان تصدرت الصفحات الأولى للصحف العالمية، ووصفته بأنه “رجل الزلزال”. وبينما تلقى عروضاً للدعم المادي والمنزلي، فإنه اختار لاحقاً أن يبتعد عن الأضواء. فالنجاة من الموت تحت الأنقاض كانت انتصاراً، لكن الثمن كان باهظاً: فقدان عائلته بأكملها ورؤيتهم يرحلون أمامه. هذا الثقل النفسي دفع أكثم للبحث عن الخصوصية، محاولاً لملمة جراحه والبدء بحياة جديدة بعيداً عن صدى الكارثة.
تبقى قصة أكثم سليمان شهادة قوية على أن الإرادة البشرية، في مواجهة الموت، يمكن أن تتحدى حدود المستحيل البيولوجي، ولو كان ذلك من خلال قرارات يائسة لا يمكن تصورها في الظروف العادية.








