
لطالما كان الشعور المفاجئ بالدوار أو “الدوخة” عند محاولة الوقوف بسرعة أمرًا مزعجًا، وقد يثير القلق في بعض الأحيان. هذه الحالة الشائعة، والتي تُعرف طبياً باسم “انخفاض ضغط الدم الانتصابي” (Orthostatic Hypotension)، هي في الأساس استجابة فيزيولوجية طبيعية في معظم الحالات، لكنها قد تكون أحيانًا مؤشرًا على مشكلة صحية كامنة تتطلب الانتباه. في هذا المقال، نتعمق في الأسباب السبعة الرئيسية وراء هذا الدوار، مع توضيح آلية حدوثه.
1. انخفاض ضغط الدم الانتصابي: السبب الرئيسي (Orthostatic Hypotension)
عندما تكون في وضعية الجلوس أو الاستلقاء، يعمل الدم بتوزيع متوازن في الجسم. ولكن، بمجرد الوقوف بشكل مفاجئ، تسحب الجاذبية كمية من الدم نحو الأطراف السفلية (الساقين والقدمين). يتسبب هذا التحول في انخفاض مؤقت وسريع في ضغط الدم المتجه إلى الدماغ، مما يؤدي إلى الشعور بالدوار أو خفة الرأس.
كيف يستجيب الجسم عادة؟
في الحالة الطبيعية، يستجيب الجهاز العصبي اللاإرادي بسرعة فائقة:
تنبيه القلب لضخ الدم بشكل أسرع (زيادة معدل ضربات القلب).
تضييق الأوعية الدموية في الأطراف السفلية (لإجبار الدم على الصعود).
إذا لم يتمكن هذا النظام التعويضي من العمل بالسرعة الكافية أو كانت هناك عوامل أخرى تعيق استجابته، يحدث الدوار.
2. الجفاف ونقص حجم الدم (Hypovolemia)
يُعد الجفاف أحد الأسباب الأكثر شيوعًا للدوار عند الوقوف. عندما يفتقر الجسم إلى كمية كافية من السوائل (الماء)، يقل الحجم الكلي للدم المتداول في الأوعية الدموية. هذا النقص في حجم الدم يجعل عملية ضخ كمية كافية منه إلى الدماغ بعد الوقوف المفاجئ أكثر صعوبة. يمكن أن يحدث الجفاف بسبب:
قلة شرب الماء.
التعرق المفرط.
الإصابة بالإسهال أو القيء.
الحمى.
3. الآثار الجانبية لبعض الأدوية
تلعب العديد من الأدوية دورًا في تنظيم ضغط الدم أو تعمل على الجهاز العصبي، وبالتالي قد تتسبب في الدوخة عند تغيير الوضعية. وتشمل أبرز هذه الأدوية ما يلي:
أدوية علاج ارتفاع ضغط الدم: مثل مدرات البول وحاصرات بيتا وحاصرات قنوات الكالسيوم.
بعض مضادات الاكتئاب.
أدوية مرض باركنسون.
الأدوية الموسعة للأوعية الدموية.
تعمل هذه الأدوية في بعض الأحيان على تثبيط الاستجابة الطبيعية للجسم لتنظيم ضغط الدم بعد الوقوف.
4. فقر الدم (Anemia) ونقص الأكسجين الواصل للدماغ
يحدث فقر الدم عندما يكون هناك نقص في عدد خلايا الدم الحمراء السليمة أو نقص في الهيموغلوبين، وهو البروتين المسؤول عن حمل الأكسجين. هذا يعني أن كمية الأكسجين التي تصل إلى الدماغ تكون أقل من الطبيعي. وعندما يحدث الانخفاض المؤقت في ضغط الدم أثناء الوقوف، يتفاقم نقص الأكسجين هذا، مما يسبب الدوار، بالإضافة إلى أعراض أخرى مثل التعب وشحوب الجلد.
5. أمراض القلب والأوعية الدموية
تعتمد قدرة الجسم على التغلب على انخفاض ضغط الدم الانتصابي بشكل كبير على كفاءة عمل القلب. قد تؤدي بعض المشاكل القلبية إلى ضعف قدرة القلب على ضخ الدم بسرعة وكفاءة كافية لتعويض الانخفاض المفاجئ في ضغط الدم. وتشمل هذه المشاكل:
اضطرابات ضربات القلب (عدم انتظامها): مثل بطء نبض القلب.
مشاكل صمامات القلب: التي تؤثر على تدفق الدم.
فشل القلب: حيث تضعف عضلة القلب.
6. مشاكل الجهاز العصبي اللاإرادي (Autonomic Neuropathy)
الجهاز العصبي اللاإرادي هو المسؤول عن الوظائف الحيوية التلقائية، ومن ضمنها تنظيم ضغط الدم ومعدل ضربات القلب. في بعض الحالات المرضية، مثل مرض السكري طويل الأمد أو مرض باركنسون، قد تتضرر الأعصاب المسؤولة عن هذه الاستجابة، مما يجعل عملية تضييق الأوعية الدموية وزيادة ضربات القلب بعد الوقوف عملية بطيئة أو غير كافية، وبالتالي يحدث الدوار.
7. دوار الوضعة الانتيابي الحميد (BPPV)
على الرغم من أن هذا السبب لا يتعلق دائمًا بانخفاض ضغط الدم، إلا أنه يسبب الدوار نتيجة تغيير وضع الرأس، والذي يحدث غالبًا عند الوقوف. يحدث هذا الاضطراب نتيجة تحرك بلورات صغيرة من كربونات الكالسيوم (حصى الأذن) من مكانها الطبيعي في الأذن الداخلية ودخولها إلى القنوات الهلالية. هذا الخلل في التوازن يسبب إحساسًا مفاجئًا وقصيرًا بالدوران عند تحريك الرأس، بما في ذلك عند محاولة الوقوف من وضعية الاستلقاء.
متى يجب استشارة الطبيب؟
في كثير من الأحيان، يمكن أن يكون الدوار عند الوقوف عرضًا بسيطًا يمكن علاجه بتعديل نمط الحياة، مثل شرب المزيد من السوائل أو الوقوف ببطء. ومع ذلك، يصبح الأمر مقلقًا ويتطلب استشارة طبية عاجلة إذا كان الدوار مصحوبًا بالأعراض التالية:
فقدان الوعي (الإغماء).
تكرار نوبات الدوار أو استمرارها لفترة طويلة.
صداع شديد أو خدر في الوجه/الأطراف.
ألم في الصدر أو ضيق في التنفس.
للوقاية، ينصح دائمًا بالانتقال من وضعية الاستلقاء أو الجلوس إلى وضعية الوقوف ببطء، وأخذ وقت كافٍ للجلوس على حافة السرير لبضع دقائق قبل الوقوف الكامل، خاصة في الصباح أو بعد فترات الراحة الطويلة.
أسباب الدوار والدوخة المفاجئة عند الوقوف: دليل شام








